الشيخ السبحاني

54

رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل

أُريد منه الرؤية فإنّما هو باعتبار قرينيّة المتعلّق . قال ابن فارس : الدرك له أصلٌ واحد ( أي معنى واحد ) وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه ، يقال : أدركت الشيء ، أدركه ادراكاً ، ويقال : أدرك الغلام والجارية إذا بلغا ، وتدارك القوم : لحق آخرُهم أوّلهم ، فأمّا قوله تعالى : « بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ » ( النمل / 66 ) فهو من هذا ، لأن علمهم أدركهم في الآخرة حين لم ينفعهم « 1 » . وقال ابن منظور مثله ، وأضاف : ففي الحديث « أعوذ بك من درك الشقاء » أي لحوقه ، يقال : مشيتُ حتى أدركتهُ ، وعشتُ حتى أدركتُه ، وأدركتُه ببصري أي رأيته « 2 » . إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول فله مصاديق كثيرة ، فالادراك بالبصر التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر ، والادراك بالمشي ، كما في قول ابن منظور : مشيت حتى أدركته ، التحاق الماشي بالمتقدّم بالمشي ، وهكذا غيره . فإذا قال سبحانه : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » يتعيّن ذلك المعنى الكلي ( اللحوق والوصول ) بالرؤية ، ويكون معنى الجملة أنه سبحانه تفرّد بهذا الوصف تعالى عن الرؤية دون غيره . المرحلة الثانية : في بيان مفهوم الآيتين : أنه سبحانه لما قال : « وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » ربما يتبادر إلى

--> ( 1 ) ابن فارس ، مقاييس اللغة 2 : 366 . ( 2 ) ابن منظور ، اللسان 10 : 419 .